حسن ابراهيم حسن
54
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
ثم خرج كليب ذات يوم إلى الحمى وجعل يتصفح الإبل ، فرأى ناقة الجرمي فرمى ضرعها ، فولت ولها عجيج حتى بركت بفناء صاحبها . فلما رأى الجرمي ما حل بها صرخ ، فسمعت البسوس صراخه فخرجت إليه ووضعت يدها على الناقة وصاحت : واذلاه ! ورآها جساس فقال : اسكتى ولا تراعى . وأسكت الجرمي وقال له وللبسوس : إني سأقتل جملا أعظم من هذه الناقة ، سأقتل غلالا ، وهو فحل لكليب لم ير في زمانه مثله . وكان جساس يعنى بمقالته كليبا . فلما نقل أحد أصحاب كليب هذا الحديث إليه ثارت ثائرته ، وأخذ جساس يترقب الفرص لتحقيق غرضه . خرج كليب أحد الأيام وابتعد عن بيوته . فركب جساس فرسه وأخذ رمحه وأدرك كليبا . فوقف كليب فقال له جساس : يا كليب ! الرمح وراءك ، فقال : إن كنت صادقا فأقتل إلى من أمامى ، ولم يلتفت إليه ، فطعنه ، فأرداه عن فرسه فقال كليب : يا جساس ، أغثني بشربة من ماء ، فلم يأنه بشئ ، وقضى كليب نحبه . ثم انصرف جساس راكبا فرسه وقد ظهرت ركبتاه . فلما أتى أباه مرة قال له : طعنت طعنة يجتمع بنو وائل غدا لها رقصا ، فقال أبوه مرة : ومن طعنت ؟ قال : قتلت كليبا ، فقال أبوه : بئس واللّه ما جئت به قومك ، ولم ير بدا من التأهب للحرب ، فدعا قومه إلى القتال فأجابوه . ولما علم قوم كليب بمقتله خرجوا إليه ودفنوه . وقالت النساء لأخت كليب : أخرجي جليلة أخت جساس عنا فإن قيامها فيه شماتة وعار علينا . فخرجت جليلة تجر أذيالها ، وأتت أباها مرة ، فقال لها أبوها : ما وراءك يا جليلة ؟ فقالت : ثكل العدد ، وحزن الأبد ، وفقد خليل ، وقتل أخ عن قليل ، وبين هذين غرس الأحقاد وتفتت الأكباد . ولما وصل إلى مهلهل نبأ مقتل أخيه كليب ، جز شعره ، وقصر ثوبه ، وهجر النساء ، وامتنع عن القمار والشراب ، ودعا قومه ، وبعث رجالا منهم إلى بنى شيبان ، وقالوا لمرة والدجساس : إنكم أتيتم عظيما بقتلكم كليبا بناقة ، وقطعتم الرجم وانتهكتم الحرمة ، وإنا نعرض عليك خلالا أربعا لكم فيها مخرج ولنا فيها مقنع : إما أن تحيى كليبا ، أو تدفع إلينا قاتله جساس فنقتله به ، أو هماما